كيف تدرّسك الجامعة تخصص الكتابة الإبداعية؟
اقتنعت مؤخرًا بأن تهاويل الذكاء الاصطناعي والاعتماد المفرط عليه في الكتابة سيجعل من مهارة الكتابة عملة شديدة الندرة بعد سنوات قليلة. ففي وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي يصوغ حتى الرسائل القصيرة على البريد الإلكتروني، لك أن تتخيّل القيمة التي يصل إليها عملك وأنت تحترف الكتابة، مهما كان توجّهك. لذا فكرت بكتابة هذا العدد، وشرح أكبر التزام نحو الكتابة قد يأخذه الشخص؛ أن يدرس الكتابة الإبداعية كتخصص جامعي.
قبل عدة سنوات، بدأتُ في رحلتي بدراسة الكتابة الإبداعية كتخصص مزدوج (Double Major)، بجانب تخصص آخر أحبه، في جامعة نخبة (Ivy League)، تعليمها مرتفع الثمن والجودة (33 ألف دولار في الفصل الدراسي الواحد)، وانتقائية في قبولها، فمعدل قبولها للطلاب هو 4.2% من المتقدمين. جامعة كولومبيا في نيويورك. وسأحاول في هذا العدد أن أشارك تجربتي في دراسة تخصص الكتابة في مدينة عالمية (Cosmopolitan) يجتمع فيها أشهر كتّاب وفناني العالم، وأن أوثّق الكيفية التي تعلّم فيها المؤسسات الأكاديمية الكتابة، لعلّ ذلك يفيد القارئ أو شخصًا مهتمًا.
المسار الفنيّ في الكتابة
سيفاجئك عدد الفنانين الذين يلتحقون ببرامج أكاديمية لتعلّم فنون لطالما ارتبطت بالممارسة. ذلك أن معظم الفنانين الجادّين في مسيرتهم الفنية (مسرح وتمثيل درامي، كتابة إبداعية، فنون أدائية ورسم) يحرصون على الدخول في برامج الماجستير للفنون الرفيعة MFA (Master of Fine Arts)، المؤهل الذي يمثّل تذكرة دخول لفرص الزمالات الفنية في القطاع الإبداعي العالمي.
لكن الماجستير ليس هو المدخل، فالبكالوريوس هو البداية، وهو البرنامج الذي أدرسه. حين تختار تخصص الكتابة في الجامعة، عليك اختيار مسار من ثلاثة: الكتابة القصصية (Fiction)، الكتابة غير القصصية (Nonfiction)، أو الشعر (Poetry).
أظن أن الفرق بين تخصص الكتابة الإبداعية وتخصص الأدب الإنجليزي في جامعاتنا بالسعودية هو الممارسة. فبعد اختيار المسار الذي تريده في تخصص الكتابة، يتوجب عليك التسجيل في خمس ورش عمل تكتب فيها بكثافة، وتتدرج فيها من المستوى المبتدئ، المتوسط، المتقدم، وإلى المحترف. إضافة لأربع ندوات تمارس فيها الكتابة بكثافة أيضًا، وتخصّص فيها كتابتك في مواضيع دقيقة، مثل دراسة «الأثر والتأثر الأدبي». ثم تختم مسيرتك بثلاث دورات متعلقة بالكتابة؛ ككتابة السيناريو السينمائي وغيره.
يسمح بالتسجيل في ورشة عمل واحدة فحسب في كل فصل دراسي. ومع أن معدل حضور الحصص أسبوعي، إلا أن كمّ القراءة والكتابة الواجبين هو كمّ لم أشهده في أي نشاط ثقافي في حياتي. متوسط الصفحات المطلوب قراءتها كل أسبوع هي قرابة المئة صفحة، إلى جانب القراءات الأخرى لمواد المنهج التأسيسي الذي يشكّل ثلثي الدراسة بالجامعة. فهناك 60 ساعة إلزامية من التأسيس الثقافي العام، على كل طلّاب الجامعة التسجيل فيها مهما كان التخصص.
تمتد كل ورشة عمل لثلاث ساعات، يلتفّ فيها 15 طالبًا حول طاولة خشبية بشكل لصيق، ليناقشوا النصوص المطبوعة التي حضّرها ثلاثة من الطلاب في كل جلسة، ويجري الاختيار فيها بشكل مجدول. تبدأ الحصة بأن يقرأ الطالب النص الذي كتبه على الفصل كاملًا، جهرًا، ويتضمن النصّ سبع صفحات على الأقل، وعشرين صفحة على الأكثر، فيصفق الطلاب بعد انتهائه، ثم يبدؤون النقد الصريح مثلما يقال ”في الجبهة“.
ينادي البروفيسور -وهو غالبًا كاتب شاب يحمل درجة ماجستير فنون رفيعة MFA، وله عدة إصدارات منشورة، يعمل كأستاذ مساعد (Adjunct Professor)- باسم كل شخص في الفصل، طالبًا إياه أن يعلّق على القطعة التي قرأها الطالب للتو. التعليق اللفظي لا يكفي، فكل طالبٍ مُلزم -أيضًا- أن يكتب رسالة ناقدة من صفحة كاملة، يعلق فيها على القطعة قبل الحضور إلى الفصل، ويسلّمها لزميله الطالب مطبوعة. كل جهاز تقني هو غير مسموح به في الفصل البتّة، وإن احتجت لكتابة الملاحظات، فالورقة والقلم هما رفيقاك.
وبما أن ورش العمل لا تستدعي اختبارًا في نهاية الفصل الدراسي، فالمشروع النهائي هو تسليم القطع الثلاث التي يكتبها الطالب على مدار الفصل، مع التعديلات الجوهرية من النقد التفصيلي التي تلقاها، ليسلّم ما محصّلته ثلاثون صفحة من نصوص مكتوبة ومحرّرة.
كيف يؤثر عليك أن تقرأ للآخرين، ويقرؤون نصوصك؟
يضع هذا المنهج اللبنة الأولى في كيانك ككاتب. فمن قراءة ما تكتب بصوت عالٍ، إلى النقد الصريح المباشر أمام الآخرين، إلى مراقبة الطريقة التي يكتب فيها الأقران من جيّدهم إلى المتواضع منهم، توصّلت لقناعة بأن تعليم الكتابة من الصفر فعليًا ممكن، إذا كان الشخص مستعدًا لعناء الرحلة. ومن البديهي أن هذا التخصص ليس للتقديم على وظيفة ما، بل هو مسار لمن يريد أن يحترف تقنيات الكتابة ويجيد حبكة أعماله.
الجدير بالذكر هو أن المجتمع الذي تعرّضك له هذه المساحة مثير للإعجاب. ففي فترة دراستي حتى الآن، قابلت وتعلّمت من شخصيات تنتسب لأشهر مؤسسات النشر، مثل مجلة NewYorker و NewYork Times. من رسّامي كاركتير محترفين، مخرجي عروض كوميدية ومنتجي عروض مسرحيات في برودواي Broadway، ممثلين، وبالطبع، كتّاب ذوي مؤلفات رائعة.
لمَ أدرس الكتابة الإبداعية؟ لأنه شيء يثير حماستي وأحبه، وكفى بذلك تبريرًا. ومع أنني قرّرت ألا أبيع أو أسوّق لشيء في هذه النشرة، لكنني قد أغيّر رأيي بعد إصدار أول كتاب لي.
مودّتي،
محمد



شكراً لك على مشاركتك هذه التجربة. هل يوجد هذا التخصص باللغة العربية في جامعات عربية؟ أو ربما إذا تعرف بعض الورشات.
سبحان الله مقالك جاء في الوقت اللي ادور فيه جامعة تدرس الكتابة الإبداعية والجواب الوحيد اللي كنت هو
(مافيه تخصص مثل هذا اساسا)
ولهذا شكرا لك يا محمد